الاختلاف للاتفاق لا للافتراق

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

 
الحمد لله الذي خلق الأنام في أحسن الصنع وأروع النظام والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد، نبي الرحمة وداعي الوئام وعلى آله وأصحابه مصابيح الظلام ومن تبعه بإحسان على الدوام، وبعد
الخلاف والاختلاف مشيئة إلهية للبشرية و سنة كونية للإنسانية. فالله تبارك و تعالى لما خلق بني الإنسان لم يخلقهم متساوين فى الخلقة و الصفة و لا متحدين فى الخلق و الشيمة و إنما جعل الاختلاف فى ألسنتهم و ألوانهم من آياته فى كونه الباهرة للعالمين و جعلهم فى العقول و المدارك متفاوتين و فى الآراء و المفاهيم متباينين.
قال تعالى: ﴿وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالونَ مُختَلِفينَ﴾. [هود: 118].
و قال: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلقُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافُ أَلسِنَتِكُم وَأَلوانِكُم إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلعالِمينَ﴾. [الروم: 22].
 

تعريف الخلاف والاختلاف

:الخلاف والاختلاف فى اللغة

أصل الخلاف من الفعل “خالف”، بينما أصل الاختلاف من الفعل “اختلف”.
والخلاف هو: المضادة، و المنازعة، والمخالفة، والمعارضة. يقال: خالفه فى الأمر: عارضه أي لم يوافقه. حيث يأخذ كل طريقا يناقض الآخر.
و هو المحظور عنه فى قوله تعالى: ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾.
[الأنفال: 46].
 
والاختلاف ضد الاتفاق و التساوي. وتخالف الأمران و اختلفا أي: لم يتفقا، و كل ما لم يتساو فقد تخالف و اختلف. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذي أَنشَأَ جَنّاتٍ مَعروشاتٍ وَغَيرَ مَعروشاتٍ وَالنَّخلَ وَالزَّرعَ مُختَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيتونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهًا وَغَيرَ مُتَشابِهٍ كُلوا مِن ثَمَرِهِ إِذا أَثمَرَ وَآتوا حَقَّهُ يَومَ حَصادِهِ وَلا تُسرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفينَ﴾.
[الأنعام: 141]. أي: حال كونه مختلفا أكله فى الطعم والجودة والرداءة.
 

:الخلاف والاختلاف فى الاصطلاح

الخلاف والاختلاف مصطلحان يشيران إلى عدم الاتفاق و التساوي وقد يراد بهما مطلق المغايرة فى القول أو الرأي أو الحالة أو الموقف.
بيد أن الاختلاف هو التخالف و التباين و عدم التساوي فى وجهات النظر مع بقاء الحب و الألفة و الاجتماع فى المقاصد و الغايات بين المتخالفين و لو وقع فى الوسائل التخالف و الاختلاف.
و غالبا ما يستند الاختلاف إلى دليل شرعي أو عقلي، و هذا مرجو لما فيه من تقويم المدارك و تحريك العقول إلى التفكير المستقيم و تحري الرأي السديد. و من أمثلة ذلك؛ اختلاف الفقهاء فى الفروع الفقهية مع اتفاقهم على أصول الدين.
 
و أما الخلاف فهو التنازع و الفرقة التى تعقبها شقاق و نزاع لأنه غالبا لا يخضع لقواعد التفكير السليم و لا يستند إلى دليل صحيح شرعيا كان أو عقليا و إنه كثيرا ما يصدر الخلاف عن جهل أو هوى النفس أو التحزب. و من أمثلة ذلك: الخلاف فى أصول الدين أو الخلافات الشخصية أو الحزبية التي تؤدي إلى الشتات و الفرقة.
 

الخلاف والاختلاف فى القرآن الكريم

 
اختار الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم لفظ الاختلاف ليفيد معنيي الخلاف والاختلاف ولم يستعمل الله سبحانه وتعالى لكلي المعنيين لفظا على حدة، فيجد الذي يتتبع دلالة ألفاظ القرآن الكريم أن لفظ الاختلاف استعمل فى أربعة معان منها الخلاف والاختلاف.
فها هي ذي الباحثة سعاد محمد مطيع الله فى رسالتها “الاختلاف فى القرآن الكريم دراسة موضوعية” تستقرئ معاني الاختلاف فى القرآن الكريم حيث لخصها فى أربعة.
 
 
الأول: التنازع؛ قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾. [النساء: 59].
يقول الإمام الطبري فى تفسيره: يعنى بذلك جل ثناؤه: فإن اخلتفتم ـ أيها المؤمنون ـ فى شيء من أمر دينكم، و يلاحظ فى ذلك أن لفظ التنازع مستعار لمعنى الاختلاف بسبب أن الاختلاف بين الناس فى القول قد يؤدي إلى التنازع والتخالف. و يشهد لذلك اختلاف النصارى فى عيسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿فَاختَلَفَ الأَحزابُ مِن بَينِهِم فَوَيلٌ لِلَّذينَ كَفَروا مِن مَشهَدِ يَومٍ عَظيمٍ﴾. [مريم: 37]. أدى بهم اختلافهم إلى أن يتنازعوا فيما بينهم فصاروا أحزابا متفرقين.
 
 
الثاني: التعاقُب؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]؛
يقول ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية: “فهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار؛ أي: تعاقبهما وخلف أحدهما الآخر…”[20].
 
 
الثالث: التناقض؛ قال الله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]؛
يقول ابن عطية في تفسيره لـ﴿ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾: “وظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه”[21].
الرابع: التنوع؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22]؛

يقول ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية: “واختلاف لغات البشر آية عظيمة، فهم مع اتحادهم في النوع كان اختلاف لغاتهم آيةً دالةً على ما كوَّنه الله في غريزة البشر من اختلاف التفكير، وتنويع التصرف في وضع اللغات، وتبدل كيفياتها باللهجات والتخفيف، والحذف والزيادة، بحيث تتغير الأصول المتحدة إلى لغات كثيرة”[22].

 

حكم الخلاف والاختلاف

 
الخلاف والاختلاف يختلف أحكامهما الشرعية باعتبار استعمالهما فى المعنى، فالخلاف كثيرا ما يستعمل فى التنازع المؤدي إلى التباغض والتدابر والبغي والاعتداء وانتهاك الأعراض، وهو مذموم شرعا بما أنه يمزق الوحدة و يفرق الجمع و يجعل القوة ضعفا، فكل ما يفضي إلى الحرام فهو حرام.
قال تعالى: ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾. [الأنفال: 46].
وقد جاءت الأحاديث تدل على ذم الخلاف بين المسلمين و تحث على التزام الحدود الشرعية. 
عن نجيح العرباض رضي الله عنه:”… فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين”… الحديث.
و عن عبد الرحمن بن زيد رضي الله عنه قال: صلى بنا عثمان بن عفان – رضي الله عنه – بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود – رضي الله عنه ـ فاسترجع، ثم قال: صليت مع أبي بكر بمنى ركعتين و صليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.
لكن عبد الله – رضي الله عنه ـ صلى فى منى خلف عثمان أربعا، فقيل له: عتبت على عثمان ثم صليت أربعا؟! قال: الخلاف شر.
و أخرج ابن جرير رحمه الله بسنده عن قتادة رحمه الله قال: إياكم والفرقة فإنها هلكة. و قال المقبلي رحمه الله:” و أي فتنة أشد من الخلاف بل هو أصل الفتن، نسأل الله العافية”.
 
وأما الاختلاف فإنه يستعمل بكثرة فى التباين فى الآراء والتفاوت فى العقول، فهو محمود لما يظهر فيه من سعة الفكرة الإنسانية والقوى النظرية وتحري الحق و لأنه غالبا ما يقوم على الدليل ويخضع للقواعد المتبعة عند الاختلاف، فلا يميل المتخالفون عن جادة الطريق ولا يخطئون سواء السبيل ويأخذون بأحسن وجوه التأويل، فيعقب الائتلاف الاختلاف فى آخر المطاف.
قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾. [النساء: 59].
وقال: ﴿ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدينَ﴾. [النحل:125].
 
وإليك بعض الأمثلة لما وقع من الاختلاف في عهد الصحابة وما بعدهم وكيف كانوا يعالجون قضية الاختلاف فيما بينهم.
( خطب عمر رضي الله عنه فقال: ” أيها الناس لا تغالوا في صدقات النساء (مهورهن) فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله ، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أحدا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر ، يعطينا الله وتحرمنا ؟ يقول الله سبحانه وتعالى: ” وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا” فقال رضي الله عنه: أصابت امرأة وأخطأ عمر ، كل الناس أفقه منك يا عمر وترك الإنكار ).
 
نقل فضيلة الشيخ علي الصابوني في كتابه – تفسير آيات الأحكام – مناظرة لطيفة يتمثل فيها معاملة السلف بعضهم مع بعض عند ورود الاختلاف وأن الاختلاف يقوم دائماً على الدليل.
 
قال القاضي أبوبكر بن العربي: حضرت في بيت المقدس – طهره الله – بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار ، فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس ، فقال له الزنجاني: من السيد ؟ فقال: رجل سلبه الشطار أمس ، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس ، وأنا رجل من صاغان من طلبة العلم ، فقال القاضي مبادرا: سلوه – على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم – ووقعت القرعة على مسألة “الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل فيه أم لا ؟” فأفتى بأنه لا يقتل ، فسئل عن الدليل فقال: قوله تعالى: ” ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه وقرئ (ولا تقتلوهم) وقرئ (ولا تقاتلوهم)،
فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا نهي عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل.
فاعترض عليه القاضي الزنجاني منتصرا للشافعي ومالك – وإن لم ير مذهبهما على العادة – فقال هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فقال له الصاغاني هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه ، فإن هذه الآية التي اعترضت بها علي عامة في الأماكن ، والآية التي احتججت بها خاصة ، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص ، فأبهت القاضي الزنجاني ، وهذا من بديع الكلام”
قال ابن العربي: ” فثبت النهي عن القتال فيها قرآنا وسنة ، فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه ، وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه ، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها فيقتل بنص القرآن “.
كل هذا وذاك إن كان يدل على شيء فإنما يدل على أن الاختلاف لا مندوحة منه في المجتمع الإنساني ولكن ينبغي أن يكون المقصد الأسمى منه إظهار الحق بالحجة والبرهان وترجيح القيم من العقول والأذهان ويتبين الصحيح من الخطأ والقوي من الضعيف ويظهر الحق جبلا ثابتا والباطل زرعا خافتا.
 

آثار الخلاف والاختلاف

 
الخلاف والاختلاف كلمتان مغايرتان تبعا للمعنى الاصطلاحي لهما، فبناء على ذلك يكون أثر كل منهما مخالفا للآخر.
و لما كان الخلاف يسري إلى الافتراق والتقاطع فلا يختلف فيه الاثنان بأن ما يترتب عليه من الآثار تكون سيئة ضالة ضارة.
أذكر لك بعضا من الشرور التي يتسبب الخلاف فى جلبها على الأمة:
١- إن الخلاف يتسبب فى حرمان كثير من الخير. فعن ابن عباس، قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة، قال: “هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده” و فى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. قال: فاختلف أهل البيت ، فاختصموا، فمنهم من يقول: يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
و منهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف وغم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “قوموا عني” ،
فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.
قال ابن حجر رحمه الله: أي؛ أن الاختلاف كان سببا لترك كتابة الكتاب، وفى الحديث دليل على جواز كتابة العلم، و على أن الاختلاف قد يكون سببا فى حرمان الخير كما وقع فى قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك وحق لابن عباس رضي الله عنه أن يقول ما قال، فإن اختلاف الصحابة و لغطهم كان السبب فى المعصية العظمى، وهو حرمان الأمة من ذلك الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم كتابته، و الذي سيعصم الأمة من الضلال إلى قيام الساعة.
٢- قد كان الخلاف سببا فى هلكة الأمم السابقة. فعن أبي هريرة، عبد الرحمن بن صخر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم و اختلافهم على أنبيائهم.
٣- و من ينظر إلى الواقع ويعتبر بمسيرة التاريخ، يدرك أن الفشل والخذلان الذي لحق بالأمة، كان سببه الفرقة والخلاف، و صدق الله -سبحانه- حيث يقول: ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾. [الأنفال: 46].
أي: ولا تختلفوا فتتفرق كلمتكم وتختلف قلوبكم، فتضعفوا وتذهب قوتكم ونصركم، و اصبروا عند لقاء العدو، إن الله مع الصابرين بالعون والنصر والتأييد، و لن يخذلهم. و صدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: “إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم فى الكتاب”.
و ما تتالى التتار و الصليبيون فى الماضي، و اليهود والنصارى فى الحاضر على المسلمين، وما تسلطوا على رقابهم و أخذوا ما فى أيديهم، إلا بسبب تقاطعهم و تفرقهم وتشرمهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتار عليها، كثرة التفرق والفتن بينهم فى المذاهب وغيرها”.
و يقول أيضا: “وهذا التفرق الذي حصل من الأمة، علمائها و مشائخها و أمرائها و كبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله،…
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا و ملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة غذاب”.
وما ذكره ابن تيمية رحمه الله عن عصره من أدواء، هو تشخيص لواقعنا المريض المثقل بها.
 
وإذ كانت الغاية من الاختلاف معرفة الحق من الباطل والتمييز بين الراجح والمرجوح من الأدلة عن طريق البرهنة والتدليل فإنه بلا شك تكون آثاره حسنة طيبة راشدة نافعة.
ومن يتتبع الأسباب في نشأة العلوم والمعارف يدرك أن أكثر العلوم كانت نتيجة الاختلاف مثل أصول الفقه وأصول التشريع وأصول الحديث وغير ذلك من العلوم الشرعية الفكرية حيث تفطن العلماء إلى وضع قواعد، يهتدي بها المجتهد فى استنباطاتها ووضعوا شروطا باستيفائها يطمئن القلب من ويلات الخلاف.
و من آثار الاختلاف المنضبط تأسيس المذاهب الاعتقادية والفقهية حيث يبذل إمام كل مذهب جهده فى استنباط حكم شرعي من دليله، فى مستجدات الأمور التي لم يرد النص على حكمها على وجه يحس فيه العجز عن المزيد، مثلما وجدنا فى مذاهب أهل التوحيد وما قرأناه فى كتب السادة الأصوليين والفقهاء.
 

الخاتمة

 
كل من يتلو كتاب الله ويتدبر آياته يدرك من خلال سياق الآيات التي ذكر فيها الاختلاف بمعنى التنازع بأن السر والحكمة الإلهية في جعل الاختلاف بين الناس هي أن يتفقوا بعد أن اختلفوا ويأتلفوا بعد أن افترقوا، وإنما جعل الاختلاف وسيلة للغاية أو غربالا يغربلون فيه الأمور ويقايسونها به فيعرفوا الأمثال والأشباه ويزكنوا صحيح المواقف من سقيمها ويميزوا الحق من الباطل والخبيث من الطيب.
هيا نتناول بعض هذه الآيات للفحص والبحث لكى نعلم بيقين بأن الغرض الأساسي والحكمة الإلهية في جعل الاختلاف بين الناس هي أن يختبروا به الأمور ثم يأتلفوا أخيرا بعد اختلافهم.
١) قال تعالى: ﴿وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالونَ مُختَلِفينَ۝إِلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم وَتَمَّت كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَملَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ﴾. [هود: 118-119].
ففي هذه الآية إشارة واضحة بأن المغزى من خلق الله الناس مختلفين هو أن يختلفوا لكى يعتبروا ويتبصروا ويكونوا على بصيرة في الأمر ثم يتحدوا بعد ذلك كله ويتحالفوا.
ففي ورود قوله تعالى” ولذلك خلقهم” بعد قوله تعالى”إلا من رحم ربك” مباشرة أوضح دليل على مراده تعالى من اختلاف الناس فيما بينهم وهو الائتلاف والرحمة.
قال ابن وهب : أخبرني مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن طاوس; أن رجلين اختصما إليه فأكثرا فقال طاوس : اختلفتما فأكثرتما ! فقال أحد الرجلين : لذلك خلقنا . فقال طاوس : كذبت. فقال : أليس الله يقول : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) قال : لم يخلقهم ليختلفوا ، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة . كما قال الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب . وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة.
٢) ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾.
[النساء: 59].
في هذه الآية أمر الله المسلمين برد الشأن المختلف فيه من أمورهم الدنيوية والأخروية إلى الله والرسول أي كتاب الله وسنة رسوله ثم إلى ولاة الأمور من العلماء الربانيين الذين يعلمون الناس معالم دينهم، الذين قال فيهم ربهم: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ” ( النساء – 83 ) ومن الأمراء المقسطين الذين يحكمون بما أنزل الله، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني.
وقد أكد الله سبحانه وتعالى هذا الرد وربطه بأصل الدين ليهتم به المسلمون ويأخذوه بقوة وجعله شرطا في تحقيق الإيمان الصحيح، وإذا فعلوا ذلك انصرم حبل الخلاف ويعتصمون بحبل الله، أي حبل الوفاق ويتحالفون فيما بينهم ويتآلفون، وقد أمرهم الله بذلك في قوله ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”
يوخذ من هذا الإيماء إلى أن الاختلاف أريد لغاية، وهي الائتلاف والتحالف.
٣) ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾. [الأنفال: 46].
في الآية تنبيه على التزام طاعة الله ورسوله، ومن طاعة الله ورسوله تأكد الوحدة والجماعة بين أفراد الأمة، وفي الآية أيضا تحذير من الوقوع في الاختلاف لما يترتب عليه من الفشل والضعف والخذلان، ورد في حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“عليكم بالجماعةِ، وإيَّاكم والفُرقَةَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ معَ الواحدِ، وهو منَ الاثنَينِ أبعَدُ، مَن أراد بحبوحةَ الجنَّةِ فلْيلزَمِ الجماعةَ” …..الحديث.
وفي هذا إشارة جلية على أن الله تعالى لم يرض لعباده الخلاف ولذلك أمرهم بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولياء الأمر فيهم وحذرهم من التنازع والتقاطع لكى لا يقعوا في ذل وخزي وعاقبة وخيمة.
وللألوري رحمه الله تعالى في كتابه “توجيه الدعوة والدعاة” مثلان رائعان ضربهما في اختلاف المسلمين ومحاربة بعضهم بعضا.
الأول: “إن مثل اشتغال المسلمين بعضهم بمحاربة البعض اليوم كمثل قوم حاصرهم العدو في مدينتهم وأحاط بهم الجنود من جوانبهم ، ولم يتفكروا في رفع الحصار عن تلك المدينة ولم يتعاونوا على طرد الجنود من تلك الجوانب بل اشتغلوا بضرب بعضهم رقاب بعض بتهمة من ليس من عنصر المدينة وضئضئ الأمة حتى انتكسوا “
الثاني: “أو كالذين اشتعلت عليهم ديارهم نارا فلم يهرعوا إلى إطفاء النار بل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون بتهمة من أشعل النار حتى اجتاحت جل أموالهم فافتقروا”.
رحم الله الألوري رحمة واسعة.
 
٤) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾.
[الحجرات: 13].
يمكن حصر هذه الآية في قبيل الآيات التي يدل مفادها على قضية الاختلاف لما في معناها من مقصود الاختلاف ومرماه.
وإذا أمعنا النظر في الآية يتجلى لنا بوضوح ما هي الغاية المنشودة من خلق الله الناس متحدي الأصل ومختلفي الفرع والنوع.
وفي سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل : لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن ، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم ، وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا ، وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا يغيره .
وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء ، فأتى جبريل فأخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بما قالوا ، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والإزراء بالفقراء فقال 🙁 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل) الآية يتضح في هذا أن التعدد في الشعب والتنوع في القبائل لم يكن للتفاخر المسبب للتشاجر والتخاصم ولكن لغاية أن يعرف بعضهم بعضا ويتعاملوا بالألفة والمحبة فيما بينهم. قال تعالى “لتعارفوا “. تلك هي الغاية الجذرية وذلك هو الغرض الأساسي والسر المكنون في جعل الناس شعوبا متعددة وقبائل مختلفة، خلقهم الله كذلك للتعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث والتآلف والتحالف.
 
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وألف بين قلوبهم على هدي كتابك وهدي نبيك الأمين، واجمع شملهم على برك وتقواك، ووفقهم لما تحبه وترضاه وجنبهم ما تبغضه وتأباه، يا حي يا قيوم، يا غوثاه. وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

كتبه: شيخ الأمانة، أحمد جمعة موبولجي

مؤسس ومدير صفوة الأمانة لتعليم الدعوة والتربية الإسلامية

Scroll to Top